ابن رشد
172
تهافت التهافت
آخر سواه ولا يكون صورة لأنها تحتاج إلى مادة . الثالث : الكثرة بالصفات بتقدير العلم والقدرة والإرادة ، فإن هذه الصفات إن كانت واجبة الوجود كان وجوب الوجود مشتركا بين الذات وبين هذه الصفات ولزمت كثرة في واجب الوجود وانتفت الوحدة . الرابع : كثرة عقلية تحصل بتركيب الجنس والنوع فإن السواد سواد ولون والسوادية غير اللونية في حق العقل بل اللونية جنس والسوادية فصل فهو مركب من جنس وفصل ، والحيوانية غير الإنسانية في العقل ، فإن الإنسان حيوان ناطق والحيوان جنس والناطق فصل وهو مركب من الجنس والفصل وهذا نوع كثرة . فزعموا أن هذا أيضا منفي عن المبدأ الأول . الخامس : كثرة تلزم من جهة تقدير ماهية وتقدير وجود لتلك الماهية ، فإن للإنسان ماهية قبل الوجود والوجود يرد عليها ويضاف إليها وكذلك المثلث له ماهية وهو أنه شكل يحيط به ثلاثة أضلاع وليس الوجود جزءا من ذات هذه الماهية مقوما لها ولذلك يجوز أن يدرك العاقل ماهية الإنسان وماهية المثلث وليس يدري أن لهما وجودا في الأعيان أم لا ؟ ولو كان الوجود مقوّما لماهيته لما تصور ثبوت ماهيته في العقل قبل وجوده ، فالوجود مضاف إلى الماهية سواء كان لازما بحيث لا تكون تلك الماهية إلا موجودة كالسماء أو عارضا بعد ما لم يكن كماهية الإنسان من زيد وعمرو وماهية الأعراض والصور الحادثة [ بعمرو ] فزعموا أن هذه الكثرة أيضا يجب أن تنفي عن الأول . فيقال ليس له ماهية الوجود مضاف إليها بل الوجود الواجب له كالماهية لغيره ، فالوجود الواجب ماهية وحقيقة كلية وطبيعة حقيقية كما أن الإنسان والشجر والسماء ماهية إذ لو ثبت له ماهية لكان الوجود الواجب لازما لتلك الماهية غير مقوّم لها ، واللازم تابع ومعلول فيكون الوجود الواجب معلولا ومناقضا لكونه واجبا . قلت : فهذا ما حكاه أبو حامد من أقاويل الفلاسفة في نفي الكثرة عن الواحد ، وهو بعد ذلك يشرع في تقرير ما ناقضوا به أنفسهم في هذا المعنى . وينبغي نحن أن ننظر أولا في هذه الأقاويل التي ينسبها إليهم وبين مرتبتها في التصديق ، ثم نشير إلى النظر فيما يذكره من مناقضتهم ، ثم إلى النظر في عناداتهم التي استعمل معهم في هذه المسألة . فأول ضروب الانقسام التي ذكر أن الفلاسفة ينفونها عن الأول هو الانقسام بالكمية تقديرا أو وجودا ، وهو متفق عليه عند كل من يعتقد أن المبدأ الأول ليس بجسم ، سواء من اعتقد أن الجسم مركب من أجزاء لا تتجزأ ، أو أن غير مركب منها ، والبرهان على هذا هو البرهان على أنه ليس بجسم ، وسيأتي الكلام على هذا البرهان .